الغزالي
67
إحياء علوم الدين
وهذا إذا خاف من ضرب أو أمر لا يطلق . ومعرفة حدود ذلك مشكلة وفيه خطر ، وفي العزلة خلاص ، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إثارة للخصومات ، وتحريك لغوائل الصدور ، كما قيل : وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقد يستفيد البغضة المتنصح ومن جرب الأمر بالمعروف ندم عليه غالبا ، فإنه كجدار مائل يريد الإنسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه . فإذا سقط عليه ، يقول يا ليتني تركته مائلا . نعم لو وجد أعوانا أمسكوا الحائط حتى يحكمه بدعامة لاستقام . وأنت اليوم لا تجد الأعوان ، فدعهم وانج بنفسك وأما الرياء ، فهو الداء العضال ، الذي يعسر على الأبدال والأوتاد الاحتراز عنه ، وكل من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه ، وهلك كما هلكوا وأقل ما يلزم فيه النفاق ، فإنك إن خالطت متعاديين ، ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا . وإن جاملتهما ، كنت من شرار الناس . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « تجدون من شرار النّاس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » وقال عليه السلام [ 2 ] « إنّ من شرّ النّاس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه ، ولا يخلو ذلك عن كذب ، إما في الأصل ، وإما في الزيادة . وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال ، بقولك كيف أنت ؟ وكيف أهلك ؟ وأنت في الباطن فارغ القلب من همومه ، وهذا نفاق محض . قال سرىّ لو دخل علىّ أخ لي فسويت لحيتي بيدي لدخوله ، لخشيت أن أكتب في جريدة المنافقين . وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام ، فجاء إليه أخ له ، فقال ما جاء بك ؟ قال المؤانسة يا أبا على . فقال هي والله بالمواحشة أشبه . هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك ؟ وتكذب لي وأكذب لك إما أن تقوم عنى ، أو أقوم عنك . وقال بعض العلماء : ما أحب الله عبدا إلا أحب أن لا يشعر به . ودخل طاوس على الخليفة هشام فقال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب عليه وقال . لم لم تخاطبني بأمير المؤمنين ؟ فقال : لأن جميع المسلمين ما اتفقوا على خلافتك ، فخشيت أن أكون كاذبا